الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
480
تفسير روح البيان
ولكن قلب الإنسان ألطف منه لأنه زبدته وأشرفه لأن القرآن نزل به الروح الأمين على قلب النبي المختار وهنا سؤال وهو أن الملائكة بأسرهم صعقوا ليلة نزول القرآن من حضرة اللوح المحفوظ إلى حضرة بيت العزة فما وجهه والجواب أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم عندهم من اشراط القيامة والقرآن كتابه فنزوله دل على قيام الساعة فصعقوا هيبة منة وإجلالا لكلامه وحضرة وعده ووعيده وفي بعض الأخبار ان اللّه تعالى إذا تكلم بالرحمة تكلم بالفارسية والمراد بالفارسية لسان غير العرب سريانيا كان أو عبرانيا وإذا تكلم بالعذاب تكلم بالعربية فلما سمعوا العربية المحمدية ظنوا أنه عقاب فصعقوا وسيأتي معنى القدر ثم القرآن كلامه القديم أنزله في شهر رمضان كما قال تعالى شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن وهذا هو البيان الأول ولم ندر نهارا انزل فيه أم ليلا فقال تعالى ان أنزلناه في ليلة مباركة وهذا هو البيان الثاني ولم ندراى ليلة هي فقال تعالى انا أنزلناه في ليلة القدر فهذا هو البيان الثالث الذي هو غاية البيان فالصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل امر حكيم وينسخ فيها امر السنة وتدبير الاحكام إلى مثلها هي ليلة القدر ولتقدير الأمور فيها سميت ليلة القدر ويشهد التنزيل لما ذكرنا إذ في أول الآية انا أنزلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال فيها يفرق كل امر حكيم والقرآن انما نزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله تعالى انا أنزلناه في ليلة القدر كذا في قوت القلوب للشيخ أبى طالب المكي قدس سره فان قلت ما الحكمة في إنزال القرآن ليلا قلت لأن أكثر الكرامات ونزول النفحات والإسراء إلى السماوات يكون بالليل والليل من الجنة لأنها محل الاستراحة والنهار من النار لأن فيه المعاش والتعب والنهار حظ اللباس والفراق والليل حظ الفراش والوصال وعبادة الليل أفضل من عبادة النهار لأن قلب الإنسان فيه اجمع والمقصود هو حضور القلب قال بعض العارفين اعمل التوحيد في النهار والاسم في الليل حتى تكون جامعا بين الطريقتين الجلوتية بالجيم والخلوتية ويكون التوحيد والاسم جناحين لك وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ اى واى شئ أعلمك يا محمد ما هي اى انك لا تعلم كنهها لان علو قدرها خارج عن دائرة دراية الخلق لا يدريها ولا يدريها الاعلام الغيوب وهو تعظيم للوقت الذي انزل فيه ومن بعض فضائل ذلك الوقت انه يرتفع سؤال القبر عمن مات فيه وكذا في سائر الأوقات الفاضلة ومن ذلك العيد ثم مقتضى الكرم أن لا يسأل بعده أيضا وقد وقع تجلى الافعال لسيد الأنبياء عليه السلام في رجب ليلة الجمعة الأولى بين العشاءين فلذا استحب صلاة الرغائب وقتئذ وتجلى الصفات في نصف شعبان فلذا استحب صلاة البراءة بعد العشاء قبل الوتر وتجلى الذات في ليلة القدر ولذلك استحب صلاة القدر فيها كما سيجئ ولما كان هذا معربا عن الوعد بادرائها قال لَيْلَةِ الْقَدْرِ القيامها والعبادة فيها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ اى من صيامها وقيامها ليس فيها ليلة القدر حتى لا يلزم تفضيل الشيء على نفسه فخير هنا للتفضيل اى أفضل وأعظم قدرا وأكثر اجرا من تلك المدة وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر وفي الحديث من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه